مجلة المستثمرون - الصفحة الرئيسية
           
       

العدد الأخير



 : 
: د. عبد الستار الخويلدي

التحكيم التجاري
آلية من آليات فض النزاعات
< وجود خلاف حول تفسير أو تنفيذ بند من بنود العقود أمر طبيعي في المعاملات المالية, ولا يعني بالضرورة سوء نية أو تلكإ من أي طرف لأن صياغة البند قد تحتمل أكثر من وجه, وأكثر من تأويل. ومن هذا المنطلق ربما تساعد الصيغ الدقيقة للعقود على تفادي الخلافات.
< آليات فض النزاعات متعددة منها ما يتم عبر القضاء, ومنها ما يتم خارج إطار القضاء. والتحكيم من الصيغ الي تتم خارج القضاء شأنها شأن الصلح والتوفيق وإن كان يأخذ من الحكم القضائي القوة التنفيذية كما سنرى.
< ولعل من أهم المظاهر القانونية المعاصرة ظاهرة الانفتاح على التحكيم واتساع آفاقه. فقد عم الاعتراف بالتحكيم في كافة المجتمعات على اختلاف نظمها القانونية, وأوضاعها الاقتصادية.
< اتساع نطاق ومجال التحكيم ليشمل مجالات كانت بالأمس القريب لا تدخل تحت طائلة التحكيم تارة باسم السيادة وتارة باسم النظام العام. ومن أمثلة ذلك المنازعات التي تكون فيها الدولة أو أحد الأشخاص المعنوية العامة طرفا.
< ماهو التحكيم وما هي مجالاته, وما هي حجيته, وما هي مزاياه عموما وللمؤسسات المالية خصوصا؟ سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة بالتحديد , كما سنحاول بقدر ما يسمح به الوقت طرح أسئلة عملية أخرى (في حدود عشرين سؤال لتغطية كافة نواحي التحكيم) والإجابة عنها.
1/ مفهوم التحكيم
التحكيم طريقة خاصة لفض النزاعات من قبل هيئة تحكيم يسند إليها أطراف النزاع مهمة البت فيها بموجب اتفاقية تحكيم دون اللجوء إلى القضاء النظامي. فالتحكيم إذا صيغة تهدف إلى إيجاد حل ملزم لنزاع بين طرفين أو أكثر عن طريق محكم أو محكمين يستمدون سلطتهم من اتفاق خاص بين الأطراف ويتخذون قرارهم على أساس الاتفاق المذكور دون أن يكونوا منتمين إلى الجهاز القضائي الرسمي لأداء هذه المهمة.
وقد عرف مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة في قراره رقم 91(8/9) التحكيم كالتالي: "التحكيم اتفاق طرفي خصومة معينة, على تولية من يفصل في منازعة بينهما, بحكم ملزم, يطبق الشريعة. وهو مشروع سواء أكان بين الأفراد أم في مجال المنازعات الدولية".

ومهما تعددت المفاهيم, فإنها تتفق كلها في خصائص التحكيم التالية:
< يستند التحكيم إلى إرادة أطراف النزاع فهم الذين اختاروا هذه الصيغة لفض نزاعهم.
< حرية أطراف النزاع في اختيارا لمحكم أو هيئة التحكيم المخولة للبت في النزاع, واختيار مكان التحكيم والقواعد الواجبة التطبيق على سير إجراءات التحكيم وغيرها.
< التحكيم يفترض نزاعا يقطع فيه المحكم الخصومة بصدور حكم ملزم وواجب التنفيذ.
< التحكيم أوله اتفاق, ووسطه إجراء, وآخره حكم.

2/ الفرق بين التحكيم والقضاء
التحكيم كالقضاء يقطع الخصومة بصدور حكم ملزم وواجب التنفيذ إذ لا يختلف حكم المحكمين عن حكم القضاء من ناحية حجيته وآثاره. فله نفوذ الأمر المقضي به بالنسبة لموضوع النزاع الذي بت فيه. كما أن حكم المحكمين كحكم القاضي يكفل سائر الضمانات المتعلقة بحقوق الدفاع, وسلامة الإجراءات الأساسية, وقواعد النظام العام. لكن يختلف التحكيم عن القضاء في عدة مجالات نذكر منها:
< من الناحية التاريخية التحكيم أقدم من القضاء. فقد عرف الناس التحكيم في الجاهلية.
< أن القضاة تعينهم الدولة, أما المحكمين فيتم اختيارهم من قبل أطراف النزاع, أو من قبل مؤسسات التحكيم عندما يكون التحكيم مؤسسيا.
< إن الإجراءات أمام المحاكم (الاختصاص المكاني والموضوعي والقانون الواجب التطبيق) تحكمها القوانين, أما في التحكيم فلأطراف النزاع حرية اختيار مكان التحكيم والقواعد الواجبة التطبيق, وتحديد زمن صدور الحكم وغيرها.
< يخضع الحكم الصادر عن القضاء النظامي إلى تعدد درجات التقاضي من استئناف وتمييز (تعقيب). أما حكم المحكمين فهو نهائي ولا يقبل الطعن إلا بطريقة طعن استثنائية واحدة هي الإبطال. وبناء عليه تكون وظيفة التحكيم ايسر من حيث كسب الوقت, ولكنها في نفس الوقت أشد خطورة من القضاء لأن طرق الطعن فيها منعدمة.
< التحكيم لا يستغني عن القضاء لأن الأمر يحتاج إلى تدخل القضاء كمساند للتحكيم سواء عند سير التحكيم فيما يخرج عن ولاية المحكمين, أو عند التنفيذ الجبري بعد صدور حكم المحكمين. مع الإشارة بأن الأمر يختلف بين التحكيم التجاري الدولي والتحكيم التجاري. في التحكيم التجاري الدولي يكاد ينحصر دور القضاء في الاعتراف بحكم المحكمين إذا ما رفض المحكوم عليه الاستجابة لحكم المحكمين عن طواعية.
< النزاعات المعروضة على التحكيم عموما والتحكيم الدولي خصوصا بلغت حدا من التعقيد (النقل البحري, التعويض في التامين, عمليات الاستثمار, مشروعات البناء والإدارة والإحالة, مسائل التمويل المصرفي المجمع ألخ...) بحيث اصبح من الصعب على القضاء في كثير من الدول تقديم الحلول العادلة لهذه المنازعات. وبناء عليه يبدو أن التحكيم أنسب صيغة لفض مثل هذه النزاعات.
< في التحكيم يتم دفع أتعاب المحكمين وبقية المصاريف الأخرى من قبل أطراف النزاع. أما في القضاء, فإن راتب القاضي تتحمله الدولة, ولا يتحمل المتقاضي إلا جزءا من المصاريف الإدارية للتقاضي.
< القاضي غير مقيد بأجل معين لإصدار حكمه (إلا في حالات ما يعرف بالقضاء المستعجل). أما المحكم فيمكن تقييده بأجل لإصدار الحكم وهذا الأصل. وإذا ما تجاوز التاريخ المحدد فقد يكون حكمه عرضة للبطلان. وقد تترتب على ذلك مسئولية مدنية يتحملها المحكم.
< للقاضي حق إبطال حكم المحكمين عند توفر شروط الإبطال. أما المحكم فلا يجوز له بأي حال من الأحوال إبطال حكم القضاء.
ويمكن تلخيص هذه العلاقة كالتـالي:
< تدخل القضاء في التحكيم يكون في شكل مؤازرة ومساندة لإنجاز الوظيفة التحكيمية و يتم ذلك قبل صدور الحكم و طلب تنفيذه
< تدخل القضاء في مجال التحكيم في شكل مراقبة لأعمال التحكيم ويتم ذلك في مرحلة ما بعد صدور الحكم و طلب تنفيذه حيث تنتهي ولاية المحكم بالفصل في النزاع.
< يكون التدخل في أضيق الحدود عندما يكون التحكيم دوليا ومؤسسيا.

3/ الفرق بين التحكيم والصلح أو المصالحة:
- القرار الصادر عن هيئة التحكيم واجب التنفيذ دون الحاجة إلى مصادقة أطراف النزاع على مضمونه بعد صدوره. أما المصالحة فهي مساعي من المصالح لتقريب وجهات النظر بين الطرفين. وحتى إذا قبل الطرفان مضمون الصلح ,وأصبح واجب التنفيذ, فذلك بفضل مصادقة الطرفين على الحل المقدم من المصالح. فالصلح إذا يرفع الخصام ويقطع الخصومة بتراضي الطرفين.
- المحكمون ينتمون عادة إلى وظائف قضائية أو قريبة منها. أما المصالحون فهم ينتمون عادة إلى عالم التجارة والأعمال مع اشتراط ثقة أطراف النزاع فيهم وقدرتهم على الاقناع.
- في المصالحة التنازل عن بعض الحقوق أمر معلوم سلفا. بينما في التحكيم يتعذر معرفة ما يحكم به المحكم. وبناء عليه تكون وظيفة التحكيم اشد من المصالحة لأن أطراف النزاع لا يستطيعون السيطرة على نتيجة التحكيم.
- الصلح عقد رضائي تكون نتائجه معلومة لدى الطرفين قبل توقيعه, بخلاف التحكيم الذي يبدأ بالتراضي على التحكيم لكن تفرض نتائجه على الطرفين.
- التحكيم لا يبرء الذمة لأن المحكم (كالقاضي) يحكم بما سمع, وقد يكون عرضة للتضليل من أحد الطرفين. أما الصلح فيتم عن طيب خاطر.
- الصلح لا يحتاج فيه إلى بينات وشهود وأيمان. أما في التحكيم فقد يحتاج المحكم إلى إثبات الحق بالأدلة والإثبات وشهادة الشهود.
- ينتهي قرار المحكمين بحكم يفصل نهائيا في النزاع. أما المصالحة فتنتهي بإحدى الافتراضات التالية:
< تحقيق المصالحة التي يتم التوصل فيها إلى اتفاق يوقعه المتصالحون وينتهي النزاع.
< تقديم توصيات يدعى الطرفان على أساسها لتسوية نزاعهما خلال فترة معينة.
< فشل المحاولة الصلحية.

4/ نبذة عن التحكيم المؤسسي/المنظم والفرق بينه وبين التحكيم الحر.
التحكيم الحر هو التحكيم الذي يلجأ فيه أطراف الخصومة إلى اختيار محكم أو محكمين بكامل حريتهم ليتولوا البت في النزاع. ويستند اختيار المحكمين في هذا الصنف من التحكيم على المعرفة الشخصية للمحكم. أما التحكيم المؤسسي, فهو تحكيم أمام هيئات ومراكز تحكيم دائمة. ومع تنامي دور التجارة الدولية واتساع نطاق المنازعات وتعقيدها, انحصر نطاق التحكيم الحر ليتم الاحتكام أمام هيئات ومراكز تحكيم دائمة. ومراكز التحكيم المؤسسي لا تتولى التحكيم بنفسها, وإنما تقتصر مهمتها على تهيئة التحكيم لأطراف النزاع وتيسيره, وذلك بمساعدتهم على اختيار محكميهم بفضل القوائم التي تعدها تلك المراكز, إعداد المكان الذي تجتمع فيه هيئة التحكيم. ومن أسباب تفضيل هذا النوع من التحكيم على التحكيم الحر نذكر ما يلي:
- يوفر التحكيم المؤسسي للخصوم عديد الضمانات وذلك بما لديها من أجهزة فنية وطاقات بشرية قادرة على متابعة ملف التحكيم في كل أطواره.
- شفافية تعيين المحكمين حيث إن المركز إذا ما كلف بذلك يختار المحكمين بناء على كفاءتهم مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة النزاع المعروض.
- حفظ الملفات التي تم على أساسها فض النزاع بأرشيف المركز لعدة سنوات, وذلك بهدف تمكين أطراف النزاع من استرجاع مؤيداتهم أو مراجعة الأحكام التي صدرت بشأنها, أو الحصول على نسخ من تقارير الخبراء. وهذه الخدمات لا يوفرها التحكيم الحر لأن مهمة المحكمين في هذا الصنف من التحكيم تنتهي بصدور الحكم.
- قد يضطر المحكمون إصدار قرارات وقتية أو تمهيدية حسب طبيعة النزاع وطلبات الأطراف. ويتعين تضمين هذه الأحكام المؤقتة لأنها قد تكون عرضة للطعن أو توقيف تنفيذها. ومثل هذه الخدمات يوفرها التحكيم المؤسسي بيسر لأنه يتمتع كما ذكرنا بإدارة متكاملة تجعله كفيلا بضمان مثل هذه الحقوق.
- التحكيم المؤسسي يسهم في مساعدة أطراف النزاع قبل عرض النزاع على المركز وذلك بوضع الشروط النموذجية لبند التحكيم على ذمة الأطراف قصد إدراجها ضمن عقودهم لتفادي وجود شروط تحكيم مبهمة عادة ما تكون عرضة للبطلان.
- في التحكيم المؤسسي/المنظم يتم تفادي عوارض التعطيل أو المسائل الجانبية التي تطرأ في التحكيم الحر في بدايته. ومن أمثلة ذلك رفض أحد أطراف النزاع تعيين محكمه, أو التجريح في المحكمين, أو تقاعس أحد المحكمين في أداء مهمته, أو انسحاب المحكم قبل صدور الحكم1. فإن مثل هذه الطلبات والحالات يتم النظر فيها طبق نظام المركز. أما في التحكيم الحر فيتم تعليق الإجراءات إلى غاية الحسم في الموضوع من قبل القضاء. وبناء عليه يكون التحكيم المؤسسي في وضع أكثر ضمانا لتشكيل هيئة التحكيم, ويكفل استمرارية التحكيم..

(1) مزايا التحكيم مطلقا
< السرعة في حسم النزاع وذلك لعدة أسباب منها تفرغ المحكمين من ناحية وعدم تقيدهم بالإجراءات الشكلية (المعتمدة عادة من قبل القضاء) التي تهدر أحيانا أصل الحق وتحول دون تأمينه. كما أن استبعاد طرق الطعن المعهودة في القضاء من شأنه أن يشكل عنصرا إضافيا في السرعة.
< وجود محكمين ضالعين في مجال النزاع المعروض عليهم إذ لا يقع اللجوء إلى الخبراء إلا نادرا, إضافة إلى معرفتهم للقوانين والأعراف التجارية. وكثيرا ما يتم اختيار المحكمين بناء على انتمائهم للقطاع الذي ينتمي إليه المتنازعين. وفي التحكيم الدولي يمكن اختيار المحكمين بناء على تمكنهم من اللغة التي أعدت بها العقود والوثائق موضوع النزاع.
< السرية المطلقة في فض النزاع لأن جلسات المحكمين غير علنية. وتبرز قيمة هذه السرية جلية في التحكيم الدولي حيث يفضل أحيانا عدم رفع القضية إلى المحاكم النظامية حفاظا على أسرار المعاملة.
< استعداد أطراف النزاع قبول حكم المحكمين عن طواعية لأن هناك اطمئنان لحكم المحكمين وتعهد مسبق بتنفيذ الحكم بناء على أن التحكيم عدالة تصالحية. ومن أمثلة ذلك أن أكثر من 90% من القرارات الصادرة عن هيئة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية تنفذ دون لجوء الأطراف إلى المحاكم النظامية للمصادقة على قرارات التحكيم.
< قبول مبدأ التحكيم في كل بلدان العالم على اختلاف نظمها القانونية والسياسية الشىء الذي يشكل طمأنة للمتعاملين في مجال التجارة الدولية.

(2) مزايا التحكيم بالنسبة للمؤسسات المالية الإسلامية.
2/1 مطابقة القرارات لأحكام الشريعة الإسلامية: صدور أحكام مطابقة للشريعة الإسلامية من متخصصين في المعاملات المالية الإسلامية بشقيها الفني والشرعي. فبعد أكثر من ثلاثين سنة من ممارسة الصناعة المالية الإسلامية عموما والعمل المصرفي الإسلامي المنظم خصوصا, وبعد صدور مئات الفتاوى في مجالات شتى من فقه المعاملات, وتوفرت في نفس الوقت طاقات متمرسة في استيعاب القضايا المصرفية المعاصرة واقتراح الحلول الشرعية المناسبة لها.
2/2 قطع الطريق على المماطلين: المؤسسات المالية الإسلامية أحرص من غيرها من المؤسسات المالية لاختيار التحكيم كصيغة لفض النزاعات لأن الضرر عليها أكبر من المؤسسات التقليدية. فالمؤسسات المالية الإسلامية التي يحرم عليها تقاضي غرامات تأخير تعويضا للضرر الذي أصابها تحتاج إلى صدور حكم في وقت وجيز لاسترجاع حقوقها. وهذه الوظيفة يؤديها مركز التحكيم. أما المؤسسات المالية التقليدية التي تتقاضى غرامات تأخير فسرعة البت في القضايا ليست لها أهمية بنفس الدرجة, لأن في غرامات التأخير تعويضا ولو جزئيا.
2/3 مدى قدرة المحاكم على معالجة المسائل المستجدة في مجال المعاملات المالية: أثبتت بعض المحاكم التي نظرت في قضايا تخص المعاملات المالية الإسلامية عدم قدرتها على فهم طبيعة وأبعاد المعاملات المالية الإسلامية. ونعني هنا المحاكم البريطانية التي تعرض عليها سنويا نسبة كبيرة من القضايا (بحكم النص في عقود التمويل على اختصاص تلك المحاكم بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية) التي تتعلق بالمؤسسات المالية الإسلامية في مسائل تخص مدى تطابق معاملة مصرفية معينة مع أحكام الشريعة الإسلامية. ومن أمثلة ذلك مبادرة إحدى المحاكم البريطانية إلى "تعيين خبيرين لإبداء الرأي حول الصيغة القانونية لعقد المرابحة والشروط الابتدائية التي يجب أن تتوفر فيه".
وتعليقا على تعيين خبراء للإدلاء برأيهم في مسألة فقهية, نقول أن لجوء التحكيم إلى الخبرة أمر استثنائي وفي مسائل فنية لا يدركها إلا أهل الاختصاص الدقيق لأن مقياس اختيار المحكمين يشمل خبرتهم العلمية والعملية. أما أن يتم تعيين خبير في مسألة فقهية صدرت بشأنها فتاوى منذ بداية ثمانينات القرن الماضي, ففيه مضيعة للوقت من ناحية وكلفة إضافية غير مبررة. وبالنسبة للمحاكم فإن عقود المؤسسات المالية الإسلامية هي عقود لم تألفها المحاكم
2/4 الإلمام بالجوانب الشرعية للمعاملة موضوع النزاع: إن عدم الالمام بالجزانب الشرعية للمعاملة موضوع النزاع قد يؤدي إلى الحكم بصحة المعاملة (من الناحية القانونية) رغم بطلانها من الناحية الشرعية, أو إعادة تكييفها (لتستجيب لقوالب القانون الوضعي) بالرغم من صحتها من الناحية الشرعية. فأين التقيد بالشريعة بأحكام الشريعة الإسلامية المنصوص عليه في النظم الأساسية للمؤسسات المالية الإسلامية والتي على أساسها استند المتعاملين معها؟
2/5 التقيد المطلق بالشروط: تقيد المحكمين المطلق بتطبيق أحكام الشريعة كما هو منصوص عليه في بند التحكيم, وكما هو منصوص عليه بلوائح مركز التحكيم (في التحكيم المؤسسي) لأنه يستمد نفوذه من اتفاق التحكيم. أما المحاكم فحتى مع وجود النص على تطبيق أحكام الشريعة فقد لا تتقيد بهذا البند. ومن أمثلة ذلك ما ذهبت إليه المحاكم البريطانية من استبعاد تطبيق مبادىء الشريعة الإسلامية, بل طبقت قوانين دولة مقر البنك الذي لم تتضمن مجلته التجارية ما ينظم المنتجات المالية الإسلامية. وكانت النتيجة تطبيق القانون الوضعي سواء كان قانون دولة مقر البند أو القانون البريطاني.
2/6 عدم تأثر المحكم بالمحيط القانوني: المحكم لا سلطان عليه ولا خلفية له إلا التقيد باتفاقية التحكيم خوفا من تعرض حكمه للبطلان. أما المحاكم فهي عادة ما تكون حريصة على عدم التناقض في إصدار أحكامها. ومن أمثلة ذلك إذا كان القانون يأخذ بمبدأ الفائدة أخذا وعطاء, فلا يتوقع أن يلتزم القاضي بشرط تطبيق أحكام الشريعة المنصوص عليها في العقد. وهذا ما يفسر الاجتهاد أحيانا في استبعادها لأحكام الشريعة بالاستناد إلى إعادة التكييف حتى تنصهر في منظومة القانون الوضعي, أو الاحتجاج بالعرف, أو بالنظام العام.
2/7 التحكيم عنصر تقديم الشريعة على غيرها من القوانين: التحكيم باب واسع لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية لأن الحرية التي يوفرها التحكيم في اختيار القانون الواجب التطبيق على النزاع تجعل تقديم تطبيق الشريعة على غيرها من النظم القانونية أمرا واقعيا.
2/8 الاسترشاد بالسوابق القضائية لتحسين صياغة المعاملات: وجود مركز تحكيم متخصص في فض النزاعات التي تخص المؤسسات المالية الإسلامية تطبيقا لأحكام الشريع, سيسهم في إيجاد رصيد من السوابق القضائية في مجال فقه المعاملات, تستفيد منها الإدارات القانونية عند صياغة العقود أو عند صياغة هيكلة المنتج الجديد بما يضمن تفادي مواطن الضعف والهشاشة. فإصدار الأحكام في فقه المعاملات قد يساعد على مراجعة بعض الشروط لتستجيب للضوابط الشرعية.
2/9 التأثير على التصنيف: وجود نزاعات عالقة أما المحاكم لفترة طويلة دون البت فيها يؤثر سلبا على برنامج المؤسسات المالية الإسلامية في استقطاب موارد إضافية عن طريق الصكوك. فالبت في المعاملة في فترة وجيزة يؤدي إلى غلق ملف النزاع بصفة نهائية.
وإذا كان من الوجيه أن إجازة العقود من قبل الهيئات الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية يشكل ضمانة لصحتها, فهذا لا يمنع من نشوب الخلاف في قراءة وتفسير ما أجيز, وبالتالي لا تحول الإجازة المسبقة للعقود دون إمكانية رصد هيئة التحكيم لخلل في تطبيق العقود المجازة أو في بعض شروطها. فالوقائع أوسع من النصوص.
2/10 التحكيم وجه من أوجه العدالة الصلحية: في المؤسسات المالية الإسلامية لا يجب أن تكون الخصومة قطيعة بين المؤسستين المتنازعتين, وإنما خلاف عابر يتم طيه بعد صدور الحكم, ليستأنف التعامل إن لم يكن قد استأنف من قبل. وهذا المناخ يوفره التحكيم بسرعته وسريته وثقة أطراف النزاع في المحكمين وفي المركز الذي يدير التحكيم. أما التقاضي بما يحمله من إجراءات (نشر القضايا في أروقة المحاكم, وربما استغلالها من قبل الصحف) فخشية القطيعة وارد.

(3 ) الصيغة المناسبة للمؤسسات المالية الإسلامية لفض نزاعاتها داخل منظومة التحكيم
علاوة على الصلح الذي هو غير التحكيم كما ذكرنا, يوجد داخل منظومة التحكيم عدة صيغ سواء في أنواع التحكيم, أو في عدد المحكمين.
3/1 الميل إلى التحكيم بالصلح بدل التحكيم بالقانون:
التحكيم بالصلح هو تنازل طرفي النزاع عن تطبيق القانون واختيارهم قواعد العدل والإنصاف. ففي التحكيم بالصلح هناك تفويض من طرفي النزاع للمحكم بعدم التقيد بقواعد القانون. وهذا يعني موافقة كل من طرفي النزاع على إسقاط جانب من ادعاءاته. وبناء عليه لن يصدر حكم المحكمين رافضا بالرفض الكامل لادعاءات أحد الطرفين او متبنيا ادعاءات الطرف الآخر كلها. أما التحكيم بالقانون فهو التحكيم الذي يستند فيه المحكم على قانون معين ولو لم ينص أطراف النزاع على قانون معين. وسواء تعلق الأمر بالتحكيم بالصلح أو بالتحكيم بالقضاء فإن حكم المحكمين ملزم للطرفين.
- التحكيم بالقانون هو الأصل, والتحكيم بالصلح هو الاستثناء.
- إرادة التحكيم بالصلح يجب ان تكون صريحة وقاطعة الدلالة. أما في التحكيم بالقانون فإنه يكفي أن تكون هناك مؤشرات على هذه الإرادة. وبناء عليه فإن مجرد الاتفاق على التحكيم بشرط أو مشارطة لا يعني أن التحكيم يتضمن التفويض بالصلح.
- في النظم التي تسمح بالطعن في حكم المحكمين لمخالفة القانون أو الخطأ في تفسيره وتطبيقه لا تنطبق على التحكيم بالصلح لأن هذا النوع من التحكيم يقوم على الإعفاء من التقيد بأحكام القانون, وتنطبق على التحكيم بالقانون.
- التحكيم بالصلح ليس شرطا نمطيا بل يستوجب روابط متينة بين الطرفين ومصالح مشتركة, او الانتماء إلى مجموعة مهنية. أما التحكيم بالقانون فهو شرط نمطي.
- في بعض الأنظمة إذا تعلق الأمر بالتحكيم بالصلح يجب أن يصدر الحكم بإجماع المحكمين بينما لا يشترط إلا الأغلبية عند إصدار حكم تحكمي تطبيقا للقانون (المادة 16 من نظام التحكيم السعودي).
- في بعض الأنظمة إذا تعلق الأمر بالتحكيم بالصلح يجب أن يتم ذكر اسما ء المحكمين في اتفاقية التحكيم ولا يجوز ترك اختيارهم لجهة أخرى ولو كان جهة تحكيم مؤسسي. أما في التحكيم بالقانون فلا يجب ذكر أسماء المحكمين وإنما يمكن الاكتفاء بتفويض جهة لتعيينهم.
- التحكيم بالصلح أخطر من التحكيم بالقضاء لأن المحكم المفوض بالصلح لا يتقيد بقواعد القانون إلا ما تعلق منها بالنظام العام.
- الحكم الصادر بالتصديق على حكم المحكم المفوض بالصلح أو بطلانه لا يقبل الطعن فيه بالاستئناف. أما التصديق على التحكيم بالقانون أو بطلانه فهو قابل لطرق الطعن.
تبدو لنا هذه الصيغة أقرب إلى مقاصد الشريعة من حيث أنها تتضمن صلحا وتحكيما في نفس الوقت. فتأخذ هذه الصيغة من مزايا الصلح استعداد الطرفين للتنازل عن جزء من مطالبهما, وتأخذ من مزايا التحكيم صفة الإلزام, أي لزوم حكم المحكمين للطرفين دون حاجة لموافقتهما على مضمون الحكم مسبقا.
3/2 تشكيلة هيئة التحكيم
هيئة التحكيم هي الهيئة التي تتولى النظر في النزاع. وقد تشكل هيئة التحكيم من محكم واحد أو من عدة محكمين حسب اتفاق الخصوم أو ما تقضي به لوائح مراكز التحكيم. وقد جرى العمل على اختيار محكم واحد إذا كان النزاع بسيطا. أما في التجارة الدولية حيث يكون النزاع معقدا, فيكون الميل إلى تعدد المحكمين لأن في التعدد ضمانا لفحص معمق للنزاع وذلك بتوزيع المسئولية بينهم حسب اختصاصاتهم المختلفة. ولكن تعدد المحكمين يحتاج إلى اتصالات مكثفة للتوفيق بين رغبات المحكمين المختلفة على ضبط مواعيد الاجتماعات. والأسلوب الغالب في التحكيم الدولي عند تعدد المحكمين أن يتم تشكيل الهيئة من ثلاثة محكمين, يعين كل طرف في النزاع واحدا منهم. وأما الثالث فيتم اختياره بإحدى الطرق التالية:
- يترك الاختيار لاتفاق الطرفين.
- يعهد بالاختيار إلى المحكمين الآخرين.
- تتولى تعيينه هيئة مستقلة مثل هيئات التحكيم الدولية التي تنص في لوائحها على مثل هذه الحالة. هذا وتجدر الإشارة بأن لوائح التحكيم الإنجليزية والأمريكية تميل إلى نظام المحكم الفرد إلا إذا تجاوز النزاع مبلغا معينا يبرر التعدد. وعلى سبيل المثال تنص لائحة الجمعية الأمريكية للتحكيم على تشكيل هيئة التحكيم من ثلاثة محكمين إذا جاوزت قيمة النزاع 10,000 دولار.
لو تم الجمع بين اختيار التحكيم بالصلح والمحكم الوحيد (على الأقل في بعض القضايا) يكون هناك توفيرا للجهد والمال مع طيب خاطر الطرفين.
المصدر: المؤتمر الدولي السابع للمؤسسات المالية الإسلامية

( القراء2151 )..
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
الكاتب الموضوع